الغزالي
3
إحياء علوم الدين
الجزء الثالث عشر [ تتمة ربع المنجيات ] [ تتمة كتاب الخوف والرجاء ] الشطر الثاني من الكتاب في الخوف وفيه بيان حقيقة الخوف ، وبيان درجاته ، وبيان أقسام المخاوف ، وبيان فضيلة الخوف وبيان الأفضل من الخوف والرجاء ، وبيان دواء الخوف ، وبيان معنى سوء الخاتمة ، وبيان أحوال الخائفين من الأنبياء صلوات الله عليهم ، والصالحين رحمة الله عليهم ، ونسأل الله حسن التوفيق بيان حقيقة الخوف اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه ، بسبب توقع مكروه في الاستقبال . وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء ، ومن أنس باللَّه ، وملك الحق قلبه ، وصار ابن وقته ، مشاهدا لجمال الحق على الدوام ، لم يبق له التفات إلى المستقبل ، فلم يكن له خوف ولا رجاء ، بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء ، فإنهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال : الخوف حجاب بين الله وبين العبد وقال أيضا : إذا ظهر الحق على السرائر ، لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا لخوف . وبالجملة فالمحب إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق ، كان ذلك نقصا في الشهود . وإنما دوام الشهود غاية المقامات . ولكنا الآن إنما نتكلم في أوائل المقامات فنقول : [ بواعث الخوف ] حال الخوف ينتظم أيضا من علم ، وحال ، وعمل . أما العلم ، فهو العلم بالسبب المفضى إلى المكروه . وذلك كمن جنى على ملك ، ثم وقع في يده ، فيخاف القتل مثلا ، ويجوّز العفو والإفلات . ولكن يكون تألم قلبه بالخوف بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله ، وهو تفاحش جنايته . وكون الملك في نفسه حقودا ، غضوبا ، منتقما . وكونه محفوفا بمن يحثه على الانتقام ، خاليا عمن يتشفع إليه في حقه . وكان هذا الخائف عاطلا عن كل وسيلة وحسنة تمحو أثر جنايته عند الملك . فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوة الخوف ، وشدة تألم القلب . وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف . وقد يكون الخوف لا عن سبب